هلاوس | الجزء الأول من روايه جيران الجحيم
هلاوس مرعبة
تبدأ في رؤية مشاهد دموية غير مبررة للواقع من حولها. ظهور وردة "البيجونيا" التي ترمز للخوف في خزانتها يضع علامات استفهام حول من يراقبها. هل ما تراه هو مجرد تعب وخيال، أم أن جيرانها الجدد يمتلكون قوى خفية تتلاعب بعقلها؟ الفصل يضع حجر الأساس لصراع نفسي مليء بالتوتر والغموض.
نزلت آخر شنطة من العربية وأنا ماشية ورا أبويا وأمي اللي كانوا ملوخومين جداً. "هي فين غسالة الأطباق الزفت اللي طلبتها دي!" قدرت أشوف ملامح أمي اللي كانت دايماً هادية وهي بتتحول لقمة الضيق. كانت مشدودة ومتوترة من ساعة ما بابا خسر شغله واتطررنا ننقل لبوسان من أستراليا. طبعاً الموضوع كان صدمة حضارية شوية، بس كوني نص كورية قدرت أتخطى ده بسرعة. ماكنش ذنب بابا إن شركته فلست، بس أمي كان باين عليها إنها شايفة إنه هو السبب. طلعت على السلم الخشب وبصيت من أول باب مفتوح. الأوضة كانت كبيرة وليها شباك ضخم بيبص على الشارع والحيطان كانت مدهونة رمادي هادي. هي دي الأوضة اللي هقعد فيها مفيش كلام. حطيت شنطتي اللي حجمها مش طبيعي فوق الملايات الكحلي، وسبت كل اللي فيها يتدلق بره. أقدر أقول إن توضيب الهدوم هياخد وقت أطول بكتير مما كنت فاكرة. الشمس بدأت ترمي لون برتقالي على الأفق وقت ما خلصت. مسحت العرق الخفيف اللي على أورتي قبل ما أنزل الدور اللي تحت على أمل إني ألاقي أي لقمة آكلها. بس أول ما دخلت المطبخ وشفت ضحكة أمي اللي بتعملها عشان "ترضي الناس"، عرفت إن في حد جاي يزورنا. "أخيراً خلصتي توضيب!"، سحبتني لغرفة السفرة وهناك لقيت عيلة غريبة عني. الست اللي ماعرفهاش قالت: "بنتك زي القمر زي ما قلتي يا تشونغها". "يا جيهي، سلمي على مين هي كيو وجوزها جونغ يو، وابنهم يونغي. دول جيراننا الجداد". حنيت راسي وقلت: "اتشرفت بمعرفتكم جميعاً". قعدت قدام بابا وخطفت نظرة سريعة على الولد اللي قاعد الناحية التانية من الترابيزة. أكون كدابة لو قلت إن الولد ده بوشه الشاحب ماكنش جذاب. شعره اللي بلون النعناع الصارخ كان بينطق وبيشد الانتباه جداً. بعد حوالي نص ساعة، أدركت إن في حاجة مش مظبوطة فيه. أيوه، هو كان بيتعامل كأنه الابن المثالي، درجات كويسة، مسؤول ومستقل. بس قسماً بالله، كنت شايفة نظرة خباثة في عينيه، والطريقة اللي شفايفه كانت بتكشر بيها لما محدش بيبص كانت بتبين حقيقة مشاعره. ده خلاني عندي فضول، هو ليه بيحاول بزيادة كدة، وهو أصلاً مش كسبان حاجة من إن عيلتي تحبه؟ في الحقيقة، هما ليه أصلاً عيلته بيتكلموا مع عيلتي؟ كان باين عليهم العز والغنى الفاحش، لبسهم كله ماركات من ساسهم لراسهم. فرق السما والأرض بيننا وبينهم، إحنا يا دوب عيلة متوسطة الحال. بابا كان موظف مكتب عادي جداً، وأمي كانت مهندسة ديكور مستواها متوسط. حاجة واحدة اتعلمتها من الناس، وهي إن محدش بيعمل حاجة لله وللوطن كدة من غير ما يكون عاوز مصلحة في المقابل. سواء كانت المصلحة دي وجاهة، أو صداقة، أو فلوس، وقلبي كان بيقولي إن العيلة المثالية دي وراها بلاوي أكتر بكتير من اللي باين على الوش. "ها يا جيهي، ناوية تعملي إيه بعد المدرسة الثانوية؟" سؤاله المباغت ده قطع حبل أفكاري. رديت عليه بكل أدب: "ناوية أسافر أمريكا عشان أدرس العلوم الطبية". "واو، ده شيء عظيم، أتمنى تستمتعي بآخر سنة ليكي هنا. يمكن إنتي ويونغي تطلعوا مع بعض في نفس الدروس." "يا ريت، ده شيء يسعدني." حكيت قفايا بإحراج، وأنا بحاول أتجاهل نظرات يونغي اللي كانت بتخترقني. كنت ممتنة جداً لما بابا غير مجرى الكلام لموضوع تاني. "بقولك إيه يا بوغوم، أنا سمعت إنك خسرت شغلك.. شيء مؤسف فعلاً." هى كيو قالت الكلام ده وهي بتلعب بالشوكة بين صوابعها. "زبالة مالهاش لزمة زيك مش مرحب بيها في الحي ده." عينيا برقت من الصدمة لما قامت فجأة وقربت من بابا، وعلى وشها الحلو كانت فيه ضحكة شريرة. وفي لمح البصر، الشوكة اللي كانت بتلعب بيها بقت مغروزة في زور بابا. صرخة مكتومة طلعت مني وأنا شايفة خيوط الدم نازلة على رقبته. "مالك يا جيهي؟ في إيه؟" أمي سألتني وهي بتبص لي بضيق. بصيت لبابا وبعدين بصيت لها. رقبته كانت سليمة تماماً، مفيش أي أثر لجرح أو وجع، وهي كيو كانت لسه قاعدة في مكانها زي ما كانت طول السهرة. حسيت بمرارة في حلقي وكأني هترجع، فاستأذنت بسرعة وقمت من على السفرة. خطفت نظرة أخيرة عليهم كلهم قبل ما أطلع أجري على السلالم. حسيت برعشة في جسمي كله وأنا برمي نفسي على السرير. ضحكة يونغي الخبيثة كانت واضحة جداً وهو شايف رُعبي اللي ملوش وصف. في حاجة غلط هنا. في حاجة غلط ومرعبة بجد. أكون كدابة لو قلت إني عرفت أنام كويس ليلتها. الموقف اللي حصل فضل يتكرر في دماغي زي الأسطوانة المشروخة. ماكنش عندي أي تفسير منطقي للي حصل. حاجة زي دي عمري ما مريت بيها قبل كدة، وكنت متأكدة تماماً إني مش مجنونة ولا مريضة نفسياً. أيوة، كنت مقتولة من قلة النوم، بس حتى وقتها مافتكرش إني كنت تعبانة لدرجة إني أتخيل مشهد مرعب ودموي بالشكل ده. "بوغوم!" سمعت صوت أمي الغضبان وهي بتزعق وأنا رايحة ناحية التلاجة. "عاوزاك تكون في البيت الساعة 7 بالدقيقة." أخدت علبة زبادي ورحت قعدت على السفرة. "أنا آسف يا حبيبتي، بس طلبوا مني أفضل للشغل لحد الساعة 8." حطيت معلقة زبادي في بوقي وأنا ببص لأبويا وأمي اللي نازلين ناقر ونقير في بعض. "ممكن تسكتوا دقيقة واحدة؟" الست الغضبانة لفت وبصت لي بوش مكشر. "إنتي يا هانم مالكيش حق تتكلمي خالص. إنتي عارفة كان شكلي وحش قد إيه لما سيبتينا وطلعتي تجري!" رديت بزمزمة وأنا بشيل شنطتي على كتفي: "مش ذنبي إنك عزمتي ناس غريبة في البيت". "طيب "الغرباء" دول ابنهم كتر خيره عرض إنه يوصلك المدرسة الصبح. وإياكي تفكري تعترضي، وإلا مفيش مصروف لمدة شهر!" بصيت لبابا بصه فيها رجاء، بس هو بص الناحية التانية فوراً. كان لازم أعرف، هو دايماً بيعمل اللي أمي عاوزاه. جرس الباب رن، وفتحت وأنا مغصوبة على أمري. لقيت يونغي واقف، لابس أسود في أسود بالكامل. ونفس الضحكة الخبيثة بتاعة امبارح كانت مرسومة على وشه. الواد ده كان بيحاول بزيادة يبان إنه غامض و"روشة". قلت بزهق "أهلاً"، وربطت كوتشي "تيمبرلاند" بتاعي وزقيته وعديت من جنبه. قال لي بتسلية: "إنتي بقيتي قليلة الذوق أوي عن امبارح قبل ما تهربي وكأنك شوفتي عفريت". ابتسمت له ببرود وقلت: "آسفة إني صدمتك يا يونغز، بس أنا مش طيبة للدرجة دي". ضحك بخفة وهو بيفتح باب عربيته السودة الفخمة وقال: "خلاص يا برنسيسة، حقك عليا إني افترضت فيكي الخير". "أوه، بص كدة.. لون عربيتك لايق جداً على شخصيتك!" ركبت الكرسي اللي جنبه وربطت الحزام. طلع بالعربية من قدام البيت، والسكوت اللي كان مالي المكان قطعه صوت تليفونه المزعج. "أيوة، فيه إيه؟" شفت حواجبه بتعقد، ورد بعد كام لحظة وهو باين عليه التفكير العميق: "هكون عندك كمان 10 دقايق، قول لـ "ڤي" ميعملش أي تصرف متهور". بصيت له وأنا كلي أمل إنه يقولي المكالمة دي بخصوص إيه، بس هو بص لي بصه ذات معنى وقفل السكة. الظاهر فعلاً إن "الفضول قتل القطة". رجعت بضهري في الكرسي وقررت إن مهمتي لباقي الطريق هي إني أعد السحاب اللي في السما. وصلنا لباركنج المدرسة اللي كان زحمة جداً، وكنت شايلة هم اليوم من أوله. المدرسة مكنتش أبداً في قايمة الحاجات اللي نفسي أعملها دلوقتي. قلت شكراً بسرعة للولد "المنعنع" المكشر ده، ونزلت من العربية عشان أنضم للزحمة. "أشوفك بعد المدرسة يا برنسيسة!" ماتعبتش نفسي وبصيت ورايا، بس رفعت صباعي "بالحركة إياها". يمكن مطلعش مرعب زي ما كنت فاكرة في الأول. بس ده برضه مش معناه إني حبيته. دخلت صالة الألعاب اللي كانت مليانة ناس، وقررت أقعد جنب بنت شكلها لطيف. لفت لي فوراً ومدت إيديها: "أنا اسمي جيسو". كان باين عليها غلبانة وفي حالها. ابتسمت وسلمت عليها: "وأنا جيهي". جيسو لفت للناحية التانية وشاورت على ولد قاعد على شمالها: "وده بام بام، صاحب جيسو". "اتشرفت بمعرفتكم". "إنتي جديدة هنا؟ متهيألي ماشوفتكيش قبل كدة". "أيوة، لسه ناقلة هنا من كام يوم من أستراليا". خبطت إيديها في بعض بحماس: "ده جامد أوي! لغتك الكورية كويسة جداً بالنسبة لواحدة أجنبية". "شكراً، أنا نص كورية وعشان كدة بتعلمها من وأنا صغيرة". بام بام اتكلم فجأة: "بقولك إيه، تحبي تشوفي صور القطط بتوعي؟" "ماشي؟" إداني تليفونه، وماقدرتش أمسك نفسي من الضحك لما شفت قطتين من اللي مالهمش شعر ممددين على الكنبة. ضحكت وقلت: "تحفة بجد! دول ينفعوا عارضي أزياء قطط". "في الحقيقة، أنا ناوي أعمل فرقة "بوب" للقطط بعد ما أتخرج". "عاش يا وحش، كمل ورا حلمك". الأنوار اتطفت فجأة، وراجل قصير دخل في كادر النور. "أهلاً بيكم في سنة جديدة جميلة في مدرسة "بيج هيت" الثانوية". وبدأ يرغي في كلام ممل عن قوانين المدرسة واللي المفروض نعمله واللي مانيجيش جنبه. بدأت أزهق بجد لحد ما أخيراً صرفنا وقال إننا هناخد حصة واحدة بس قبل الغدا. تبادلت الأرقام مع بام بام وجيسو وبدأت أدور على فصل 216 ده فين. بعد ما سألت على الطريق كذا مرة، وصلت أخيراً لحصة العلوم اللي كانت أصلاً مليانة. قعدت في مكاني المحجوز جنب ولد شعره برتقالي، وماقدرتش ما الاحظش إنه عمال يلعب في ساق زرعة ما. المدرس بدأ ينده الغياب، وكنت متشوقة أعرف اسم اللي قاعد جنبي ده إيه. "إم نايون". "أوه سيهون". "جونغ هوسوك". الولد الغامض ده رفع إيده فجأة وضحكة عريضة رسمت وشه. يبقى جونغ هوسوك هو ده اسمه. في نص الحصة، بدأت أواجه مشكلة في الفهم، فلفيت لهوسوك عشان يساعدني. طلع طيب جداً وفرفوش، وده فاجئني بصراحة. كان باين عليه إنه هادي ومنطوي أول ما قعدت جنبه. جرس الغدا رن، ودعت هوسوك ورحت على الكافتيريا. "جيهي-ياه!" جيسو هجمت عليا فجأة وهي مصممة إني أروح معاها هي وبام بام نشرب "بابل تي" على الغدا. وافقت، وعديت على "اللوكر" بتاعي عشان آخد فلوس. بس أول ما فتحت الباب، في حاجة غريبة وقعت منه. وردة "بيجونيا" وردي رقيقة بقت مرمية على الأرض. "اممم.. جيهي، دي وردة بيجونيا. دي معناها—" "الخوف."